المنجي بوسنينة
317
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الإطلاق . والذين اكتفوا بهذا القول لم يلاحظوا أنّه لم يسبق إلى الكثير ممّا جاء به من تصوّر علمي وطرائق تحليليّة وتفسيريّة جرى عليها تلميذه سيبويه ( ت 177 ه / 792 م ) في كتابه ، وما طبق من ذلك في كتاب العين وما نقله الأزهري وعلماء اللغة والنحو عنه . وينبغي ، مع ذلك ، أن لا نظلم العلماء الآخرين من شيوخه ومعاصريه ، ومن جاء بعدهم ممّن تتلمذوا عليه أو على غيره . فلكلّ واحد منهم حظّ في تأسيس علوم العربيّة وإثرائها ، إلّا أنّ ما ابتكره الخليل يتّصف بعمق النظر ونوع من الدقة لا نجد لها نظيرا عند غيره . وقد تنبّه إلى شيء من ذلك الحدس ابن جني فقال : « وهذا الترجيم ( أي القول بالظن والحدس ) الذي أشرف عليه الخليل ظنّا قد جاء به السماع نصّا » [ الخصائص ، 12 / 111 ] ، وقال أيضا : « انظر إلى قوّة تصوّر الخليل إلى أن هجم به الظنّ على اليقين » [ نفس المصدر ، 112 ] . وكان له من ذلك حظّ عظيم ، فلولا كتاب سيبويه لكنّا نجهل الشيء الكثير من أساليب الخليل في التحليل والتفسير النحوي . كما كان له حظّ أيضا في الليث بن المظفّر ( ت 195 ه / 805 م ) الذي حقّق ما بدأه الخليل من رسمه لكتاب العين وما شرع فيه من تحريره . واشتهر أيضا من تلاميذه النضر بن شميل ( ت 203 ه / 819 م ) ومؤرج السدوسي ( ت حوالي 204 ه / 820 م ) . ومن تتبّع كتاب العين وجد في بعض أقوال الخليل ما يدلّ على هذا العمق وهذه الثقافة الواسعة ، فمن ذلك انتباهه إلى المقاربة القائمة بين اللغات السامية والعربيّة . جاء في هذا الكتاب : « وكنعان بن سام بن نوح ينسب إليه الكنعانيون ، وكانوا يتكلّمون بلغة تقارب العربيّة » [ 1 / 205 ] . وكذلك التحديد للمفهوم الأصلي للعلّة : « والعلّة حدث يشغل صاحبه عن وجهه » [ 1 / 88 ] . فهذا هو المفهوم الأوّل للعلّة عند المتقدّمين . أمّا بعد سيبويه فاستعار النحاة المفهوم السائد عند المتكلّمين وهو سبب الحدث . ولا شكّ أنّ الذي ساعد الخليل على الإبداع في اللغة هو معرفته للحساب معرفة عميقة . والحساب الذي كان يعرفه هو شيء ممّا نجده اليوم في الجبر الحديث ، وهو يضمّ ما يسمّى في زماننا بالجبر التركيبي ( Algebra Combinatorial ) . وهذا قد لاحظه بعض معاصرينا ، إلّا أنّه بالنظر الممعن في طريقة الخليل التحليليّة للّغة يتبيّن أنّه قد سبق الرياضيّين في عصرنا الحاضر إلى الاستعانة بمفاهيم رياضيّة لا يعرفها إلّا الرياضيون المحدثون وبعض اللّغويين ، منها مفهوم المجموعة وخاصة الزمرة . كما ساعده على فهم أسرار الحركيّة اللّفظيّة ما اكتشفه بالمشاهدة الدقيقة والاختبار من أوصاف خاصة لكيفيّة حدوث الحروف ولا سيما كيفيّة اتّصال الحركات العضويّة في إحداثها لها ، ومن ثمّ مفهومي الحرف المتحرّك والساكن ، ولا يوجد ما يماثلهما في الصوتيات الغربيّة إلا عند مهندسي التكنولوجيا اللغويّة في عصرنا هذا . وهذه الطريقة المبنية على هذين المفهومين هي التي بنى الخليل عليها العروض ، وفسّر بها ظواهر الإيقاع ، كما استعان في العروض وفي اللغة بالجبر التركيبي ، خاصة في تحليله الكلمة العربيّة إلى أصل وصيغة .